
الناس عند مقابلة الأذى ثلاثة أقسام
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الناس عند مقابلة الأذى ثلاثة أقسام
الحمد لله فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة القوي الجبار، شديد العقاب وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، رب الأرباب ومسبب الأسباب وقاهر الصلاب وخالق خلقه من تراب قاصم الجبابرة وقاهر الفراعنة والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعباد، ليبين لهم الحلال والحرام وليحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أما بعد إنه لما كان الناس عند مقابلة الأذى ثلاثة أقسام، ظالم يأخذ فوق حقه ومقتصد يأخذ بقدر حقه ومحسن يعفو ويترك حقه، فقد ذكر الأقسام الثلاثة في هذه الآية فأولها للمقتصدين، ووسطها للسابقين، وآخرها للظالمين، ويشهد نداء المنادي يوم القيامة “ألا ليقم من وجب أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفى وأصلح”
وإذا شهد مع ذلك فوت الأجر بالإنتقام والإستيفاء سهل عليه الصبر والعفو، وأن يشهد العبد أنه إذا عفى وأحسن أورثه ذلك من سلامة القلب لإخوانه، ونقائه من الغش والغل وطلب الانتقام وإرادة الشر، وحصل له من حلاوة العفو ما يزيد لذته ومنفعته عاجلا وآجلا على المنفعة الحاصلة له بالإنتقام أضعافا مضاعفة، ويدخل في قوله تعالى “والله يحب المحسنين” فيصير محبوبا لله تعالي، ويصير حاله حال من أخذ منه دراهم فعوض عنها الوفا من الدنانير، فحينئذ يفرح بما من الله عليه أعظم ما يكون فرحا، وأن يعلم أنه ما إنتقم أحد قط لنفسه إلا أورثه ذلك ذلا وجده في نفسه فإذا عفى أعزه الله، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام حيث يقول “ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا” رواه مسلم.
فالعز الحاصل له بالعفو أحب إليه وأنفع له من العز الحاصل له بالإنتقام، فإن هذا عز في الظاهر وهو يورث في الباطن ذلا، والعفو ذل في الظاهر وهو يورث العز باطنا وظاهرا، وكما أن من أعظم الفوائد أن يشهد العبد أن الجزاء من جنس العمل وأنه نفسه ظالم مذنب، وأن من عفى عن الناس عفى الله عنه، ومن غفر غفر الله له، فإذا شهد أن عفوه عنهم وصفحه وإحسانه مع إساءتهم إليه، سبب لأن يجزيه الله كذلك من جنس عمله فيعفو عنه ويصفح ويحسن إليه على ذنوبه، سهل عليه عفوه وصبره ويكفي العاقل هذه الفائدة، وأن يعلم العبد أنه إذا اشتغلت نفسه بالإنتقام وطلب المقابلة ضاع عليه زمانه وتفرق عليه قلبه، وفاته من مصالحه، ما لا يمكن إستدراكه ولعل هذا يكون أعظم عليه من المصيبة التي نالته من جهتهم.
فإذا عفى وصفح فرغ قلبه وجسمه لمصالحه التي هي أهم عنده من الإنتقام، وكما يعين العبد على الصبر أن يعلم أن إنتقامه وإستيفائه وإنتصاره لنفسه، بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط، فإذا كان هذا خير خلق الله وأكرمهم على الله لم يكن ينتقم لنفسه مع أن أذاه أذى لله ويتعلق به حقوق الدين، ونفسه أشرف الأنفس، وأزكاها، وأبرها وأبعدها من كل خلق مذموم، وأحقها بكل خلق جميل، ومع هذا فلم يكن ينتقم لها، فكيف ينتقم أحدنا لنفسه التي هو أعلم بها وبما فيها من العيوب والشرور بل الرجل العارف لا تساوي نفسه عنده أن ينتقم لها، ولا قدر لها عنده يوجب عليه انتصاره لها، فاللهم أرحمنا وأرحم آباءنا واهدنا واهدي أبناءنا واصلح حالنا في الدارين ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك يامن يتولى الصالحين فتولنا برحمتك يا أرحم الراحمين آمين.
الناس عند مقابلة الأذى ثلاثة أقسام






